قصة قصيرة
(1)
"لقد عزمت على إخبارها غدا"
قالها لنفسه وهو يريح نفسه على الوسادة مفكرا ... يجب أن ينتهي كل هذا .. لقد سئم كل هذه المشاعر المكبونة بداخله.. أحيانا يكون وقوع البلاء خير من انتظاره..مم يخشى؟؟من أن ترفضه أو تسخر من مشاعره.؟؟ فليكن لعل هذا يضع حدا لمشاعره المضطربة وأشواقه التي لا تنتهي ، لعل هذا يريحه من التردد والحيرة والحب الصامت ليل نهار.
إن احنمال لحظات المواجهة القصيرة خير له من أن يقضي عمره كله هاربا فارا من معركته ، صاما أذنيه عن صوت الحقيقة ساجنا نفسه في معبد الحب الوهمي.
استطرد قائلا في صوت مسموع "نعم... غدا ستكون المواجهة" قالها وأسبل جفنيه محاولا النوم ولكن أنى للنوم وقد تصارعت الأفكار في رأسه واتخذته مسرحا لما قد يحدث غدا. كيف سيخبرها بالأمر... بل كيف سيجد الفرصة ليحدثها على انفراد أصلا.
إنه لا يريد أن تعلم صويحباتها بالأمر ..لقد ظل يحبها في صمت قرابة السنتين..فلا يريد أن يفضح نفسه إذا رفضته..عليه أن يجدها وحدها ومن ثم يكلمها بعيدا عن العيون.
ظل يفكر على هذا الحال وهو يتقلب على فراشه كأنما قد من جمر...حتى غلبه الإرهاق وراح في النوم.
(2)
لم يتأنق فوق العادة ، كان يود أن يظل على طبيعته.. كان يكره أن يقال أنه يغير من نفسه من أجلها ..ربما حلق لحيته النامية جيدا.. وذهب إلى الجامعة ميكرا بعض الشيء ، وراعه أنه متوتر جدا يخاف أن ينظر ألى زملائه في عيونهم حتى لا يدركوا ما به.... يحس أنهم جميعا يعلمون بأمره .. أو يسمعون دقات قلبه ..فكر أنه ما إن يبتعد عنهم حتى يبتسمون في سخرية - أو حتى في شفقة - قائلين " إنه ذاهب لقدره المحتوم" أو "دعه يواجه مصيره" ......... حسنا عليه أن يهدأ قليلا...أنه يحب...إنه لا يرتكب جريمة ...هذا ما حاول أن يقنع به نفسه ولكنه فشل في ذلك فشلا ذريعا..إن هذا الحب في نظر المجتمع حب فاشل محكوم عليه مقدما بالموت....فمن هو حتى يحب مثلها ؟؟؟؟ إنه ليس غنيا ولا يشغل أبوه منصبا ما.. إنه مجرد - وياللحسرة- صاحب قلب....وما أرخص القلوب هذه الأيام!!! إنها - على ندرتها - غير ذات قيمة في هذا المجتمع المادي البغيض.
وبينما هو غارق في شروده وتأملاته.. إذ أشرقت الشمس وشقشقت العصافير وتلونت الموجودات ، وأفعم الجو بنسمات رقيقة تحمل شذا الورود وأريج الزهور.... فإذا بها تمر من على مقربة منه حتى اسثقرت في مكانها المعتاد.
حسنا...... لقد حانت اللحظة... ها هي جالسة وجدها الآن، يجب أن ينتهي كل هذا.. نهض من مقعده واتجه نحوها في خطوات بطيئة..محدثا نفسه .. يجب أن تكون أكثر هدوءا... يجب أن يكون كلامك واضحا.. يجـ...."اللعنة"
هذه الارتجافة اللعينة والدم المحثشد في وجهه.. توقف قليلا بجوار ناقذة كبيرة هناك ...وظل يلهث في توتر.. حتى هدأ بعض الشيء..ثم أخذ نفسا عميقا .. ثم اتجه مباشرة إليها.
- صباح الخير
- صباح الخير...كيف حالك؟
- بخير الحمد لله ..وأنت؟
- الحمد لله
انقطع بهما الحديث لحظة فأطرق مرتبكا ....ثم قال:
- هناك شيء كنت أود أن أخبرك به ...قالت مندهشة
- ما هو؟ استطرد قائلا وهو يبتلع ريقه
- لا أعلم إذا كان هذا سوف يضايقك أم لا...
كان يحدثها والعرق يحتشد على جبينه وهو يثظر إلى الأرض وقد اختنقت الكلمات في حلقه ... فقالت له
- ماذا هناك؟؟
أجاي دون أن ينظر إلي عينيها وهو يسوق الكلام سوقا:
- هناك شخص يحمل لك الكثير من المشاعر منذ مدة طويلة...ولكنه يخشى أن يضايقك...(صمت)
(3)
ارتج عليه فلم يجد ما يتم به عبارته.. واختلس نظرة إلى وجهها ليرى وقع كلماته عليها ..فإذا بها مرتبكة وقد احمرت وجنتاها وعلى شفتيها ابتسامة خجلى لم تلبث أن زالت مخلفة وراءها الوجوم والصمت.
طال اللصمت وتجمد المشهد للحظان ..مرت عليه كالأعوام ...وأحس خلالها بجسمه يرتجف من فرط التوتر .. وأحس بوعيه يكاد يغادره...ثقلت أنفاسه .. وسمع من بعيد من ينادي عليه..إلا أن عينيه كانتا متعلقتان بشفتيها بشدة ...
هل هذا شبح ابتسامة؟؟؟؟ هل يمكن أن يكون هذا البريق بعينيها...؟؟؟
اىتجف قلبه بين ضلوعه...وانتقل منه إلى بقية جسمه حتى خشي أن تلاحظه...وسمع من جديد ذلك الصوت الذي يناديه....إلا أنه حاول أن ينظر إليها مرة أخرى فأذا به...........................
يفتح عينيه...
وينظر إلى ظلام حجرته..والعرق يتصبب من جبينه....لقد كان ذلك حلما كالحقيقة...نظر حوله فوجد أخيه يخرج من الغرفة بعد أن نجح أخيرا في إيقاظه...فنظر له بغيظ وأغمض عينيه وعاد للنوم متمتما " لقد كادت أن توافق"
وعاد إلى الحلم لعله ينجح فيه فيما فشل فيه غلى أرض الواقع.
عبدالرحمن محمود
7-4-2006